ملا محمد مهدي النراقي
6
جامع السعادات
منه بهذه الكسيرة ، فقال : أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث " ( 3 ) . فوائد الجوع ثم للجوع فوائد : هي صفاء القب ورقته ، واتقاد الذهن وحدته ، والالتذاذ بالمناجاة والطاعة ، والابتهاج بالذكر والعبادة ، وكسر شهوات المعاصي المستولية بالشبع ، دفع النوم الذي يضيع العمر ويكل الطبع ويفوت القيام التهجد ، والتمكن من الإيثار والتصديق بالزائد ، وخفة المؤنة الموجبة للفراغ عن الاهتمام بالتحصيل والإعداد ، وصحة البدن ودفع الأمراض إذ المعدة بيت كل داء والحمية رأس كل دواء ، وورد : " كلوا في بعض بطونكم تصحوا " ، وأضداد هذه الفوائد من المفاسد يترتب على الشبع . ثم علاج الشره بالأكل والشرب : أن يتذكر الأخبار الواردة في ذمه ، وينبه نفسه على رذالة المأكولات وخساستها ، وعلى خسة الشركاء من الحيوانات ، ويتأمل في المفاسد المترتبة على الولوع به : من الذلة ، والمهانة وسقوط الحشمة والمهابة ، وفتور الفطنة ، وظهور البلادة ، وحدوث العلل والأمراض الكثيرة ، وبعد ذلك يحافظ نفسه عن الإفراط في الأكل ولو بالتكلف حتى يصير الاعتدال فيه عادة . الشهوة الجنسية ( وأما الثاني ) - أعني طاعة شهوة الفرج والافراط في الوقاع - فلا ريب في أنه يقهر العقل حتى يجعل الإنسان مقصور الهم على التمتع بالنسوان والجواري ، فيحرم من سلوك طريق الآخرة ، أو يقهر الدين حتى يجر إلى اقتحام الفواحش وربما انتهت هذه الشهوة بمن غلب وهمه على عقله إلى العشق البهيمي الذي ينشأ من استيلاء الشهوة ، فيسخر الوهم العقل لخدمة الشهوة ، وقد خلق العقل ليكون مطاعا لا ليكون خادما للشهوة . وهذا مرض قلوب فارغة خلت عن محبة الله وعن الهمم العالية . ويجب الاحتراز من أوائله بترك معاودة الفكر والنظر ، وإذا استحكم عسر دفعه ، وكذلك حب باطل من الجاه والمال والعقار والأولاد . فمثل من يكسره في أول انبعاثه مثل من يصرف عنان الدابة عند توجهها إلى باب
--> ( 3 ) صححنا الحديث على ما في سفينة البحار - 1 : 195 - .